محمد عبد الله دراز
278
دستور الأخلاق في القرآن
الوسائل الضّرورية لفهم الشّرع ، والخضوع له . ولكن القرآن حين يتحدث عن النّوع الثّاني يتناوله في المستقبل : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ « 1 » ، إنّه يتبع نظام القيم ، وهو ثمن للمسئولية ، فينبغي أن يضمن إذن لأولئك الذين رعوا تكاليفهم بإخلاص ، وهو أمر طبيعي . وعلى هذا المبدأ تعتمد الحكمة القرآنية المشهورة : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ « 2 » . ب - الأساس القانوني هذا هو الشّرط الثّاني للمسئولية ، فالقرآن يعلمنا أنّ أحدا لن يحاسب على أفعاله دون أن يكون قد علم مسبقا أحكامها . وهذا الإعلام يأتي من طريقين مختلفتين : داخلية ، وخارجية ، فقواعد القانون الأخلاقي في أكثر صورها شمولا مسجلة بشكل ما في أنفسنا ، وليس علينا ، لكي ندرك مغزاها ، سوى أن نستخدم قدراتنا ، وملكاتنا الفطرية : فنستشير عقلنا ، ونستبطن قلبنا ، أو نتبع غرائزنا الخيرة . ولما كانت معرفة هذا القانون الفطري في وسع كلّ إنسان ، على تفاوت بين الأفراد ، فإنّ هذه المعرفة تكفي قطعا لتأكيد مسؤوليتنا نحو أنفسنا . ولم تنازع أكثر المدارس الإسلامية تشددا في أنّ هنالك نوعا من المسؤولية الشّاملة القائمة على هذا التّكليف الفطري ، فهل يكفي هذا أيضا لإقرار مسؤوليتنا عند اللّه ؟ . . هنا تفترق المدارس . فعلى حين أنّ المعتزلة يرون ذلك ويقرونه بلا استثناء ، وعلى حين أنّ الماتريدية
--> ( 1 ) الأعراف : 156 . ( 2 ) الحجرات : 13 .